لوغورمو عبدول: ملف ولد عبد العزيز لم يُحسم بالكامل بسبب إشكال الاختصاص القضائي

قراءة في 5 دقيقة
المحامي والخبير القانوني لوغورمو عبدول

قال المحامي والخبير القانوني لوغورمو عبدول إن الرسائل والمرافعات المنشورة في القضايا ذات الطابع السياسي والقضائي تندرج، من حيث المبدأ، ضمن الحق المشروع في الدفاع، مؤكداً أن من حق أي متهم قانونياً تبرير موقفه ومحاولة التأثير على الرأي العام حتى بعد صدور الأحكام القضائية، معتبراً أن النقاش الحقيقي ينبغي أن يتركز على مضمون الحجج القانونية المطروحة لا على مبدأ نشرها بحد ذاته.

وأوضح عبدول، خلال مقابلة بثتها قناة TTV مساء الاثنين، أن جوهر الملف القانوني المتعلق بالرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز يرتبط أساساً بمسألة الاختصاص القضائي، وبمدى خضوع بعض التهم للقضاء العادي أو للمحكمة العليا المختصة بمحاكمة رؤساء الدول في القضايا المرتبطة بممارسة السلطة.

وأشار إلى أن هيئة الدفاع استندت لفترة طويلة إلى المادة 93 من الدستور، التي تنص على أن رئيس الجمهورية لا يُحاكم عن الأفعال المرتبطة بممارسة مهامه إلا أمام المحكمة العليا للعدالة، مضيفاً أن تهم استغلال النفوذ وإساءة استخدام السلطة والاتجار بالنفوذ ترتبط بطبيعتها بالوظيفة الرئاسية، ما يجعلها – من وجهة نظر قانونية – ضمن اختصاص المحكمة العليا وليس القضاء العادي.

وأضاف أن معيار التمييز بين الاختصاصين يقوم على مدى ارتباط الفعل بممارسة الوظيفة الرئاسية، موضحاً أن مفهوم “إساءة استخدام السلطة” يفترض قانونياً ممارسة السلطة فعلاً ثم الانحراف بها، وهو ما يُبقي الفعل ضمن إطار الممارسة الدستورية للوظيفة، لا ضمن الجرائم العادية التي ينظر فيها القضاء التقليدي.

وأكد عبدول أن القضاء العادي، وفق هذا المنطق، لم يفصل في براءة أو إدانة الرئيس السابق بشأن بعض التهم المرتبطة بممارسة السلطة، بل اعتبر فقط أنها خارج نطاق اختصاصه القضائي، وبالتالي لم يتناولها من حيث الجوهر، مشدداً على أن ذلك لا يعني صدور حكم بالبراءة، وإنما يعني أن النظر فيها يعود إلى جهة قضائية أخرى.

وفي المقابل، أوضح الخبير القانوني أن تهمتي الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال تختلفان قانونياً عن باقي التهم، لأنهما لا ترتبطان مباشرة بممارسة الوظيفة الرئاسية، بل تتعلقان بمصدر الثروة ومدى القدرة على تبريرها، مضيفاً أن جريمة الإثراء غير المشروع تقوم أساساً على وجود فارق غير مبرر بين التصريحات المالية الرسمية والثروة الفعلية التي يمتلكها الشخص المعني.

وأضاف أن القانون يُلزم المسؤول العمومي بتبرير أي زيادة معتبرة في ممتلكاته مقارنة بما صرح به عند توليه المسؤولية، معتبراً أن العجز عن تقديم تفسير قانوني ومقنع لمصادر تلك الأموال أو الممتلكات يشكل أساساً قانونياً لقيام جريمة الإثراء غير المشروع.

أما بشأن تهمة تبييض الأموال، فأوضح عبدول أنها ترتبط بمحاولة إخفاء المصدر الحقيقي للأموال أو إدخالها في الدورة الاقتصادية بطرق تمنع تتبع أصلها أو طبيعة الحصول عليها، مؤكداً أن هذا النوع من الجرائم لا يرتبط بصفة الشخص أو موقعه الوظيفي، بل بطبيعة العمليات المالية نفسها.

وأشار إلى أن المجلس الدستوري سبق أن رفض الطعون المقدمة ضد القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد وغسل الأموال، معتبراً أنها لا تتعارض مع المادة 93 من الدستور، لأن الجرائم الاقتصادية المرتبطة بالإثراء غير المشروع وتبييض الأموال لا تُصنف ضمن الأفعال المرتبطة مباشرة بممارسة الوظيفة الرئاسية.

كما توقف عبدول عند ما وصفه بـ”الدفوع غير المدعومة بالأدلة”، في إشارة إلى التصريحات المتعلقة بالحصول على مبالغ مالية كبيرة أو هبات نقدية، موضحاً أن مثل هذه الادعاءات تحتاج إلى وثائق وتحويلات مصرفية أو قرائن مادية يمكن التحقق منها قانونياً.

وأضاف أن الحديث عن تلقي مبالغ ضخمة نقداً بالعملات الأجنبية خارج النظام المصرفي الرسمي يثير إشكالات قانونية إضافية، لأن القوانين المالية والنقدية تفرض المرور عبر القنوات البنكية والبنك المركزي لضمان شفافية حركة الأموال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.

وأوضح أن مجرد الإقرار بالحصول على أموال بطرق غير موثقة أو خارج النظام المالي الرسمي قد يتحول، في بعض الحالات، إلى عنصر إدانة قانوني أو “إقرار ضمني” بامتلاك أموال غير مبررة المصدر، خاصة إذا تعذر إثبات مصدرها المشروع أو مسارها المالي.

وأشار أيضاً إلى أن الثروات والممتلكات محل الاتهام لا تقتصر على السيولة المالية فقط، بل تشمل عقارات وأراضي وحسابات مصرفية وممتلكات مختلفة تعود لفترات سابقة على مغادرة الرئيس السابق للسلطة، ما يجعل تفسير مصادرها مسألة محورية في الملف القضائي.

وفي ما يتعلق بالحديث عن “تسييس القضاء”، اعتبر عبدول أن هذا النوع من الاتهامات يدخل غالباً في إطار الخطاب السياسي والإعلامي، بينما تبقى الأحكام القضائية – بحسب تعبيره – خاضعة للنصوص القانونية ومساطر التقاضي والأدلة المعروضة أمام المحاكم.

وختم الخبير القانوني حديثه بالتأكيد على أن هذا النوع من الملفات يعكس حجم التداخل بين القانون والسياسة، غير أن الحسم النهائي فيها يظل بيد القضاء وحده، استناداً إلى الوقائع والأدلة القانونية، بعيداً عن السجالات السياسية والتأويلات الإعلامية.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً