بين الجدل والعمل .. رسالة إلى سيادة الرئيس

قراءة في 5 دقيقة
محمد منَّ محموداً

في وضع دولي ضاغط مع الحرب في الشرق الأوسط و تأثيرها على سلاسل الإمداد، و تدفق الغاز والنفط، و مخاطر إقليمية قريبة محدقة تتعلق بعصف الجماعات بحكومات إقليمية و دول مجاورة، و مع خطر الهجرة بوصفها ظاهرة مجتمعية خطيرة لها تداعياتها الاقتصادية و الاجتماعية نزوحا و زحفا.
و مع الزيادة المتتالية لأسعار المحرك الأساسي لمعاش المواطنين، و إرتفاع مستوى الجريمة، و فقدان السيطرة على منسوب المياه مما يهدد مناطق شاسعة من العاصمة بالغرق بفعل تأخر و غياب شبكات تصريف مياه الأمطار و شبكات الصرف الصحي في أغلب المناطق و ترهل شبكة المياه و تسرب الأنابيب، و مع الواقع المزري للتعليم على مستوى الكم و الكيف و معاناة الطلاب مع النقل، و ازدحام المرضى أمام المستشفيات العمومية، و مع الواقع المزري للطرق والنقص الحاد في البنية التحتية في العاصمة و مدن الداخل و خصوصا ما يتعلق منها بالرياضة و الشباب.
مع هذا الواقع المخيف و في أفق تكالب هذه المخاطر تغمض القوى الحية أعينها و تدفن رأسها في التراب و تهرع إلى اللعب بمستقبل هذا البلد الهش في محاولة غريبة للعودة به إلى الوراء و فق مسار متعرج يراد له أن يقايض الوطن كله مستقبلا و حاضرا بالاستمرار في السلطة.
إن نخبة تجتمع لتلعب بمستقبل وطنها، و تركب أطماعها الشخصية و مطامحها الآنية لتعود إلى المربع الأول يجب أن توصم بالخيانة و التنكر لقيم الديمقراطية و الأخلاق و السياسة، آن لنا أن ننسلخ من ماضي تكريس التوريث السلطوي و أن نواصل الخطوات مهما كانت بطيئة نحو الديموقراطية و التناوب السلمي السلس على مؤسسات السلطة فلربما حظينا مستقبلا بمُخْلِص مُخَلِّص، و لربما راكمنا من التجارب ما يؤسس لأرضية تصلح للنهوض و الإستقرار و القطيعة مع الأحذية الخشنة و لن يكون ذلك إلا بتضحيات الجميع.
فكرة الحوار في أساسها فكرة مهمة و التلاقي أساس حل كثير من الاشكالات و التلاغي لا يخدم، ولكن لكل حوار سقفه و أفقه و لكل أمر محاذيره، و فتح الحديث حول المأموريات هو السم المخفي في دسم اللقاءات التي تم التمهيد لها، و على المؤمنين بالوطن النفور من كل ما قرب من نقاشها من قول أو عمل من قريب أو من بعيد

إن السلامة من سلمى و جارتها
أن لا تمر بواد حول واديها.

أمام رئيس الجمهورية فرصة عليه أن يغتنمها و يركب الصعب و الذلول لتغيير ما يمكن تغييره من واقع هذا البلد الفقير، و أن يبرز للشمس حاسرا و يشرف على ورشات و مشاريع جادة تسهم في دفع عجلة التنمية في هذا الوطن، و أن يؤسس لثورات زراعية و صناعية و عمرانية و تعليمية تجوب البلاد و تشرك الجميع، و أن يخفف من الإرتهان للساسة و السياسة و المتبضعين في سوق القيم ، و أن يستبدل اليافطات البراقة بالفأس و المنجل و أن يوجه الجموع لما يهم، و يحرم بل يجرم الخوض في معارك السياسة التافهة فيما تبقى من مأموريته، ويشرف هو بنفسه على مبادرات الانخراط في البناء الوطني مستكملا مشاريعه المهمة في الرقمنة و المدرسة الجمهورية و يضرب بيد من حديد على المفسدين و باعة الصفقات، و ينتشل المواطن البسيط من بين براثن ممتهني الحربائية والتلون و إثقال كاهل البسطاء دونما حاجة.
حين تتركز جهود الرئيس في هذا الحيز و يختم المتبقي من مأموريته بالإشراف على انتخابات ديمقراطية شفافة تأتي فيها صناديق الاقتراع بمن أراده الوطن فإنه يكون قد أدى ما عليه و بر بقسمه.
الساسة مولعون بخلق الأزمات و صناعة المشاكل و المطبات و هم سادة ذلك الميدان، فلا جهد و لا نصيب لهم في البناء و النماء، ولا مكان لهم بين المدافعين عن الوطن حين يحتاج أرواح أبنائه على جبهات المعارك، و هم الأسرع تنكرا لكل من دانوا له يوما و بذلوا له الولاء و صدحت حناجرهم بمدحه،و دبجوا القصائد في الثناء عليه، و حبروا المقالات في الإشادة به، إنهم يتقنون النكوص و الشواهد أكثر من أن تحصى فلا أراك سيادة الرئيس تغتر بهم!!
الوضع الدولي و الإقليمي و مشاكل الوطن أمور يجب أن ينصب عليها تركيز صناع القرار، و غير ذلك ترف لا تسمح به الظروف و الممتهنون للسياسة وألاعيبهم غشاء يعمي الحاكم و يشتت تفكيره، و يوجه جهود الدولة إلى مسرح عبثي و رحلة سيزيفية مع العدم.
آن لهذا الوطن أن ينعم بقليل من الراحة و يترك السياسة لوقتها فقد حان وقت الصمت الانتخابي، و العودة إلى مجالات العمل.
إننا اليوم بحاجة ماسة إلى توجيه بوصلة أي حوار تشهده الساحة الوطنية نحو عملية البناء و العمل وذلك ما يجب ان تتوجه إليه أفكار الجميع فكفانا جدلا في السياسة و تعالوا بنا إلى البناء.

محمد منَّ محموداً

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً