المتابع لحالة بلدنا لا شك يلاحظ أمورا غريبة جدا تجعله ينفرد بحالة من التناقض التي تجعله في واد و جل بلدان العالم في واد آخر.
لدينا نمطنا الغريب في إدارة عملية السير و شغل الشوارع و الطرقات، و لنا طريقتنا الخاصة و الغريبة في إدارة المرافق العمومية، و لنا طريقتنا الخاصة في العلاقة بالمرضى و زيارتهم، و لنا طريقتنا الخاصة في مناسبتنا الاجتماعية و تنظيمها و إخراجها في قالبها الغريب … الخ.
نحن بلد موغل في الغرابة في كل شيئ و لنا نمطنا الخاص بنا من بين جميع أصناف البشر، نعيش في كوكب آخر يجعل مثقفينا و نمط تفكيرهم حالة منفردة، وكتابنا و أعمالهم يحافظون على نمط مختلف للتعاطي مع القضايا، و الأكيد أن أهل السياسة فينا أكثر غرابة.
في هذا البلد ذي الغالبية “السياسية” يتنفس الجميع السياسة و يشارك في أحاديثها كممارسة و كطرح تنظيري و نظن جميعا أننا الوحيدون الذين منَّ الله عليهم بفهمها و هداهم إلى فك طلاسمها، نعيشها في سيارة الأجرة و المسجد و المكتب و المدرسة و الملعب و القرية، و نناقشها و نحن نتقمص أدوارنا الرجعية و نتنفسها و نحن نتلمس دروب التقدمية الحالمة، يمارسها الفقير و الغني و العالم و الجاهل، ولعل ذلك الأمر يعود إلى قصور متجذر في فهمنا لها من الأساس، أي أن المؤكد أننا نمارس و نناقش ما نفهمه نحن كسياسة!
ليست هذه الحروف هنا للإجابة على التساؤل المؤرق، هل نفهم السياسة حقا و فق حقيقتها؟!
نعم ليست هذه الحروف لبحث تلك القضية و إنما لتسجيل موقف حول المزاحمة غير العادلة التي تمارسها النخبة المنتخبة من أكابر أهل السياسة عندنا أو من يفترض فيهم أنهم هم ساسة هذا البلد و قادة العملية السياسية فيه و أقصد هنا المنتخبين البرلمانيين، بغض النظر عن توجهاتهمو مشاربهم السياسية و التنظيمية.
البرلماني في أي بلد في العالم يأتي في طليعة ممتهني السياسة فهي تخصصه و بها يحقق ذاته و وفق معطياتها و منهجها يجد طريقه للمشاركة في بناء الوطن.
يحصل السياسي كنائب برلماني على امتيازات كبيرة بوصفه منتخبا إذ يحصل على الراتب و القطعة الأرضية و الحصانة و الإعفاء من جمركة سيارته الشخصية و جواز سفر دبلوماسي و بعض الأمور الأخرى، يحصل على كل هذا مقابل تمثيل جزء من الشعب داخل قبة البرلمان للدفاع عن حقوق هذه الشريحة و لمراقبة أداء الحكومة و متابعة المظالم و سن القوانين و التصويت عليها و مسائلة الحكومة إلى غير ذلك من الأمور المحددة وفق النظم و المساطر و الأعراف، و ذلك ما يتطلب منه جهدا بحثيا و عمليا كبيرا، هذا هو المفترض لكن للأسف و لأننا في بلد الغرائب فإن المتابع لأداء كثير من نوابنا المحترمين يجد أنهم لايقومون بأي من هذه الأدوار بل يغلب عليهم تقمص دور “المدونين” و رواد صفحات التواصل الاجتماعي و مزاحمة أصحاب الصفحات و كل صاحب بث أو نقاشات.
هذه المزاحمة تجعلنا نتطلع لليوم الذي تسن فيه قوانين رادعة تمنع على ممثلي الشعب مزاحمته على وسائل التواصل الاجتماعي، وليس ذلك في إطار تكريس أسس جديدة من كبت الحرية بل على العكس من أجل ان يتفرغ كل لعمله و مهامه التي من المفترض أنها أكثر أهمية و أجدر و أنفع له ولنا و للوطن.
يختلف النواب عندنا عموما و خصوصا نواب المعارضة في الطرح و زاوية النظر إلى الأمور و يجمعهم المكث على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي عبر بث أحيانا و تدوينة أحيانا أخرى، يزاحمون المدونين و كأن اهتماهم منصب على جمع الإعجابات و حصد التعاليق.
يحرص أغلب النواب على تسجيل مواقفه على مواقع التواصل و تبني أطروحاته من خلالها ونقاش القضايا التي تستجد عليه، بل يتبرع في أحيان كثيرة بنقل “العواجل” على طريقة أباطرة التدوين، هذه مشكلة كبيرة و فقدان لبوصلة الدور و تخلف عن المهمة.
التدوين مهم و العمل الصحفي مهم و لكن لهم أهلهم، و دور البرلماني و البرلمانية مختلف تماما عن أدوار رواد مواقع التواصل و عن الصحافة وأهل الإعلام.
آن الأوان لكي يستبين بعض البرلمانين الطريق و يرتبط بالواقع، و يعكف على العمل الجدير به، و يترك المواقع لأصحابها، فلا فائدة من مزاحمة النائب للمدون، و ليس السبق الصحفي من مهام البرلمانيين.
الشعب انتخبكم لقبة البرلمان و يعول عليكم من أجل المساهمة في جهود التغيير البناء من خلالها، و ينتظر منكم التقارير الجادة و مراقبة أداء الجهاز التنفيذي، و لا يخدمه أن تزاحموه على مواقع التواصل، و لا أن تقدموا له “سبقا” إخباريا فما لذلك اختاركم.
محمد منَّ ولد محموداً
