العفو الرئاسي… عندما تسمو الحكمة على الخلاف/ عثمان جدو

قراءة في 4 دقيقة
عثمان جدو

في اللحظات التي يشتد فيها الاستقطاب السياسي، تصبح القرارات القادرة على تخفيف التوتر
ذات أهمية بالغة جدا، ومن هذا المنطلق، جاء العفو الرئاسي عن النائبتين البرلمانيتين المسيئتين
لفخامة رئيس الجمهورية في العلن، مع كامل التوثيق والتلبس، جاء هذا العفو ليشكل محطة
سياسية وقانونية أثارت نقاشًا واسعًا بين مرحب بالقرار حتى من المعارضة ومنتقد ومتحامل
بدعوى الانتصار لهيبة القضاء مع أن القرار لا ينتقص منها مهما أريد إدخال ذلك في غير
مدخله.


فلا شك أن احترام القضاء واستقلاله يمثلان ركيزة أساسية لدولة القانون، غير أن العفو الرئاسي
هو أيضًا صلاحية دستورية وُجدت لتمنح أعلى سلطة في هرم الدولة ممثلة في فخامة رئيس
الجمهورية الذي هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء مساحة للتحرك عندما تقتضي المصلحة
العامة تغليب منطق التهدئة والمصالحة.
ومن ثم، فإن استخدام هذه الصلاحية لا يعني بالضرورة التقليل من شأن الأحكام القضائية، بل
يعكس تقديرًا واضحا لاعتبارات سياسية ووطنية أوسع، ويقتضي التدخل كما حصل في الوقت
واللحظة المناسبة، ويجب أن تقرأ الرسالة الأبرز التي يحملها هذا القرار بما تقتضيه بشكل سليم
وموفق، وهو أن الحوار يظل أقل كلفة من القطيعة، والتسامح قد يكون في بعض الأحيان أبقى
أثرًا من استمرار الخصومة، فالدول التي تنجح في تجاوز أزماتها ليست تلك التي تكثر فيها
المواجهات، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لفتح أبواب التفاهم كلما سنحت الفرصة.
ويبقى التحدي الحقيقي بعد العفو هو كيفية استثماره، فإذا تعاملت معه مختلف الأطراف باعتباره
فرصة لإعادة بناء الثقة، وتهيئة مناخ أكثر هدوءًا، فإنه لا شك سيصبح خطوة مهمة نحو إنجاح
الحوار الوطني المنتظر، والآخر الدائم، والانصراف إلى القضايا التي تشغل بال المواطن، مثل
التنمية، وفرص العمل، وتحسين الخدمات في المجالات الخدمية كالصحة والتعليم والماء
والكهرباء وغيرها، وكذا تعزيز الوحدة الوطنية.
وفي المحصلة فإن هذا العفو الرئاسي الذي وقعه فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ
الغزواني سيترك أثرا إيجابيا كبيرا، لأن مفهوم العفو بكل بساطة يمثل في كثير من الأنظمة
الدستورية وسيلة لإعلاء قيم التسامح والمصالحة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا ذات أبعاد
سياسية، ومن هذا المنطلق؛ يمكن أن تترتب عليه عدة آثار إيجابية لعل منها:
أولًا: أنه سيسهم في تهدئة المناخ السياسي وخفض مستوى الاحتقان بين الأغلبية والمعارضة،
وهو ما يساعد على توفير بيئة أكثر ملاءمة للحوار والتوافق حول القضايا الوطنية.
ثانيًا: كونه يعكس توظيف الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية في اتجاه تعزيز الاستقرار
الوطني، وإظهار روح التسامح، بما قد يفتح الباب أمام تجاوز الخلافات السياسية وتغليب
المصلحة العامة.


ثالثًا: سيعزز هذا العفو الثقة بين مختلف الأطراف السياسية إذا اعتُبر بادرة حسن نية، الأمر
الذي يمكن أن ينعكس إيجابًا على فرص نجاح أي حوار سياسي مرتقب.

رابعًا: يبعث هذا القرار برسالة واضحة مفادها أن الخلافات السياسية يمكن أن تُدار بالحوار
والتفاهم، وأن السلطة قادرة على الجمع بين تطبيق القانون وإفساح المجال للمبادرات التي تخدم
السلم الاجتماعي.


خامسًا: يمكن أن يسهم في توجيه اهتمام الساحة السياسية نحو القضايا التنموية والاقتصادية
والاجتماعية التي تهم المواطنين، بدل استمرار الجدل حول قضية قضائية أثارت انقسامًا سياسيًا
وإعلاميًا كبيرا.


وفي نهاية المطاف، فإن هذا العفو ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لفتح صفحة جديدة.
ونجاحه لا يقاس بصدور المرسوم الرئاسي فقط، وإنما بقدرته على تحويل الخلاف إلى حوار،
والتنافس السياسي إلى شراكة مستمرة في خدمة الوطن.


فالأوطان تتسع للجميع، والاستقرار الحقيقي يقوم على احترام القانون، والانفتاح على الحوار،
وتقديم المصلحة الوطنية على غيرها، وجعلها فوق كل اعتبار.


لذا علينا أن ندرك أن تحقيق كل الآثار الإيجابية المنتظرة من هذا القرار يتوقف على تجاوب
جميع الأطراف الفاعلة معه بروح المسؤولية، واستثماره كفرصة لتعزيز الحوار، واحترام
المؤسسات، والعمل المشترك من أجل المصلحة الوطنية؛ التي يجب أن تظل أنشودة الجميع،
دون استثناء.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً