ما الذي حدث في نواكشوط
في 25 مارس/آذار 2026 افتُتحت في نواكشوط أعمال الاجتماع الثالث للجان الوطنية لتسيير الحدود بين موريتانيا والسنغال، بمشاركة ولاة الولايات الحدودية من الجانبين وقادة الأجهزة العسكرية والأمنية في المناطق المعنية، على أن تستمر الدورة يومين.
وفق الوكالة الموريتانية للأنباء، يهدف الاجتماع إلى تعزيز الإطار المؤسسي لتسيير الحدود، وتطوير التعاون الأمني وتبادل المعلومات، ومواءمة نقاط العبور الحدودية، ومكافحة التهريب والهجرة غير النظامية، ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق الحدودية، مع تفعيل اللجنة التقنية المشتركة لإعادة تأكيد الحدود وتقييم ما تحقق من تقدم واستعراض التحديات القائمة.
وفي كلمة الافتتاح، قدّم زايد الأذان ولد فال أم (رئيس اللجنة الوطنية لتسيير الحدود والمدير العام للإدارة الإقليمية في وزارة الداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية) توصيفاً لطبيعة الملف الحدودي مع السنغال بوصفه فضاءً “واعداً” لكنه يواجه هشاشة أمام التغيرات المناخية ومخاطر الفيضانات والجفاف، إضافة إلى ضغوط ترتبط بالهجرة والجريمة العابرة للحدود.
من جهته، عبّر شيخو محمدو لامين بوكونتا كامارا (رئيس لجنة تسيير الحدود السنغالية وقائد الأركان الخاصة للرئيس السنغالي) عن الأمل في أن يفضي الاجتماع إلى “حلول ملموسة” ومشاريع قابلة للتطبيق، وطرح تصوراً سياسياً/تنموياً للحدود باعتبارها رابطاً ومساحة للتبادل والتكامل، مع طموح بجعلها “مختبراً” للتعاون الإقليمي يخدم التنمية المستدامة والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.
لماذا تبقى الحدود مع السنغال ملفاً متعدد الأبعاد
الحدود الموريتانية–السنغالية ترتبط عضوياً بفضاء نهر السنغال، الذي يُقدَّم في أدبيات النزاعات والتعاون على أنه خط فاصل وحدوي في آن واحد: يفصل بين دولتين، لكنه يحتضن مجتمعات محلية وتبادلات معيشية (رعي/زراعة/تجارة) تجعل إدارة الموارد والتنقل جزءاً من “هندسة السلم” بقدر ما هي ملف سيادة.
ضمن هذا الإطار، تُمثّل منظمة استثمار نهر السنغال أحد النماذج الأقدم للتعاون المؤسسي في الحوض؛ إذ يذكر موقع المنظمة أنها تأسست في 11 مارس/آذار 1972 في نواكشوط من طرف مالي وموريتانيا والسنغال لإدارة حوض النهر، وأن مقرها يوجد في داكار.
لكن تاريخ المنطقة يوضح أيضاً كيف يمكن لتوتر محلي محدود أن يتحول إلى أزمة سياسية عابرة للحدود حين تلتقي ندرة الموارد بحساسية الهوية والسيادة. فدراسة حالة منشورة على منصة “Climate-Diplomacy” تُرجع شرارة أزمة 1989 إلى صدام “مزارعين–رعاة” حول حقوق الرعي في وادي نهر السنغال، ثم تدخل حرس الحدود وتوسع الأحداث إلى أعمال عنف وعمليات طرد متبادل وإغلاق للحدود، مع استمرار توتر العلاقات الدبلوماسية إلى غاية إعادة فتح الحدود سنة 1992 وتوقيع اتفاق 1991 لإنهاء الأزمة.
وتُظهر قراءة هيومن رايتس ووتش (World Report 1989) أن النزاع الحدودي في تلك المرحلة كان مرتبطاً كذلك بسجالات الأرض في وادي نهر السنغال وبنزاع الرعي على الحدود وما ترتب عليه من عنف مجتمعي في داكار ونواكشوط، وهو ما يُفسر حساسية أي “اختلال إداري/أمني” صغير إذا لم يُدار بأدوات وقاية مبكرة ومأسسة مستمرة.
في هذا السياق، يصبح حديث الأطراف اليوم عن “تفعيل لجنة تقنية لإعادة تأكيد الحدود” و“مواءمة نقاط العبور” و“تبادل المعلومات” و“مكافحة التهريب والهجرة غير النظامية” ترجمةً عملية لفكرة أن المشكلة ليست في وجود الحدود، بل في كيفية إدارتها وتحييدها عن التحول إلى جبهة توتر مزمنة.
الجبهة الشرقية: تداخل قروي وترسيم غير مكتمل مع مالي
على خط موريتانيا–مالي، يظهر تحدٍ من نوع مختلف: ليس “إدارة حدود قائمة” فقط، بل أيضاً التعامل مع واقع ترسيم لم يكتمل بصورة نهائية في نظر فاعلين محليين، وما يستتبعه ذلك من تداخل قرى ومعايير تبعية “عملية” قد تختلف عن الخرائط الرسمية أو عن تصورات السكان على جانبي الشريط.
في هذا الإطار، نقلت إسلم ولد سيدي (والي الحوض الشرقي) في أبريل/نيسان 2024 أن الحدود الموريتانية–المالية “لم تُرسّم إلى الآن”، وأن معرفتها الدقيقة غير متاحة محلياً إلا عبر “أعراف ومعالم متعارف عليها”، مع وجود “قرى موريتانية داخل الأراضي المالية وقرى مالية داخل الأراضي الموريتانية”.
الأهم في التصريح ذاته أنه يقدّم معياراً إدارياً عملياً تستخدمه السلطات في غياب الحسم النهائي: القرية التي توجد فيها “مدرسة موريتانية” ويحمل سكانها “الجنسية الموريتانية” تُعامل كقرية موريتانية، والعكس بالنسبة للمدرسة والجنسية الماليتين. هذا النوع من “الترتيبات المؤقتة” يساعد على تسيير الخدمات والحياة اليومية، لكنه يبقى هشاً أمام أي احتكاك أمني أو تحرك لقوة نظامية عبر الشريط.
وبالعودة إلى محاولات الترسيم، تشير مادة صحراء ميديا (يناير 2016) إلى أن اللجنة الفنية المشتركة لترسيم الحدود بين موريتانيا ومالي جعلت ملفات “الإدارة والأمن” في المناطق الحدودية، وتنقل الأشخاص وممتلكاتهم، ومواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والإرهاب، جزءاً من أجندة أعمالها التحضيرية، مع دعوة رسمية حينها إلى الخروج بقرارات “ملموسة” لإنهاء مسار الترسيم.
الأمن العابر للحدود: من التهريب والهجرة إلى تهديد الجماعات المسلحة
بالنسبة لحدود موريتانيا مع السنغال، يعكس جدول أعمال اجتماع نواكشوط أن مكافحة التهريب والهجرة غير النظامية وتطوير التعاون الأمني وتبادل المعلومات ومواءمة نقاط العبور تُعد ملفات مركزية في الرؤية الرسمية الحالية.
أما على خط موريتانيا–مالي (ومنه إلى المثلث الحدودي مع السنغال)، فتداخلُ “عدم اكتمال الترسيم” مع تدهور الوضع الأمني في أجزاء من مالي يجعل أي حادثة محلية قابلة للتضخم سياسياً وإعلامياً. مثال قريب على ذلك ما أوردته صحيفة الشرق الأوسط (مارس 2026) نقلاً عن بيان للجيش الموريتاني: العثور على مواطنين موريتانيين قتيلين بعد ساعات من اعتقالهما من طرف وحدة من الجيش المالي داخل قرية “ياكنا” الواقعة داخل الأراضي المالية، مع نفي الرواية المتداولة عن “اقتحام قرية موريتانية” وتأكيد أن الواقعة حدثت داخل مالي وعلى بعد 12 كلم من الحدود، بالتوازي مع تأكيد انتشار وحدات موريتانية على طول الشريط الحدودي.
وفي طبقة أوسع من المخاطر، يبرز تهديد الجماعات المسلحة وشبكات الاقتصاد غير المشروع كعامل ضغط على دول المنطقة. تقرير معهد تمبكتو (مايو 2025) يخلص في خلاصته إلى أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كثّفت نشاطها في جنوب غرب مالي (منطقة كاي)، وتسعى إلى اختراق شبكات اقتصادية عابرة للحدود وإقامة روابط يمكن توظيفها لتسهيل حركة الأفراد والموارد نحو موريتانيا والسنغال، مع تأكيد التقرير على “مسامية الحدود” بوصفها أحد عوامل القابلية للاختراق.
ويضيف التقرير في مقدمته أن “المثلث الحدودي” عند تقاطع مالي وموريتانيا والسنغال أصبح مسرحاً استراتيجياً لعمليات الجماعة، وأنها تمزج بين العمل العنيف ومحاولات التغلغل في شبكات اقتصادية/إجرامية عابرة للحدود، بما يجعل تعزيز التعاون الأمني واليقظة المجتمعية في المناطق الحدودية جزءاً من مقاربة الوقاية لا مجرد استجابة بعد وقوع الهجمات.
